محمد بن جرير الطبري
100
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
عن الربيع بن أنس : قالُوا أَ نُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ يعنون أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم . حدثني يونس بن عبد الأَعلى ، قال : أنبأنا ابن وهب ، قال : حدثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله : قالُوا أَ نُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ قال : هذا قول المنافقين ، يريدون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم . حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، عن بشر بن عمار ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس : قالُوا أَ نُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ يقولون : أنقول كما تقول السفهاء ؟ يعنون أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، لخلافهم لدينهم . القول في تأويل قوله تعالى : أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ قال أبو جعفر : وهذا خبر من الله تعالى عن المنافقين الذين تقدم نعته لهم ووصفه إياهم بما وصفهم به من الشك والتكذيب ، أنهم هم الجهال في أديانهم ، الضعفاء الآراء في اعتقاداتهم واختياراتهم التي اختاروها لأَنفسهم من الشك والريب في أمر الله وأمر رسوله وأمر نبوته ، وفيما جاء به من عند الله ، وأمر البعث ، لإِساءتهم إلى أنفسهم بما أتوا من ذلك ، وهم يحسبون أنهم إليها يحسنون . وذلك هو عين السفه ، لأَن السفيه إنما يفسد من حيث يرى أنه يصلح ويضيع من حيث يرى أنه يحفظ . فكذلك المنافق يعصي ربه من حيث يرى أنه يطيعه ، ويكفر به من حيث يرى أنه يؤمن به ، ويسيء إلى نفسه من حيث يحسب أنه يحسن إليها ، كما وصفهم به ربنا جل ذكره فقال : أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ وقال : ألا إنهم هم السفهاء دون المؤمنين المصدقين بالله وبكتابه وبرسوله وثوابه وعقابه ، ولكن لا يعلمون . وكذلك كان ابن عباس يتأول هذه الآية . حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، عن بشر بن عمار ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس يقول الله جل ثناؤه : أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ يقول الجهال ، وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ يقول ولكن لا يعقلون وأما وجه دخول الأَلف واللام في " السفهاء " فشبيه بوجه دخولهما في " الناس " في قوله : وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ وقد بينا العلة في دخولهما هنا لك ، والعلة في دخولهما في السفهاء نظيرتها في دخولهما في الناس هنا لك سواء . والدلالة التي تدل عليه هذه الآية من خطأ قول من زعم أن العقوبة من الله لا يستحقها إلا المعاند ربه مع علمه بصحة ما عانده فيه نظير دلالة الآيات الأَخر التي قد تقدم ذكرنا تأويلها في قوله : وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ ونظائر ذلك . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا قال أبو جعفر : وهذه الآية نظير الآية الأَخرى التي أخبر الله جل ثناؤه فيها عن المنافقين بخداعهم الله ورسوله والمؤمنين ، فقال : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ ثم أكذبهم تعالى ذكره بقوله : وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ وأنهم بقيلهم ذلك يخادعون الله والذين آمنوا . وكذلك أخبر عنهم في هذه الآية أنهم يقولون للمؤمنين المصدقين بالله وكتابه ورسوله بألسنتهم : آمنا وصدقنا بمحمد وبما جاء به من عند الله ، خداعا عن دمائهم وأموالهم وذراريهم ، ودرءا لهم عنها ، وأنهم إذا خلوا إلى مردتهم وأهل العتو والشر والخبث منهم ومن سائر أهل الشرك الذين هم على مثل الذي هم عليه من الكفر بالله وبكتابه ورسوله وهم شياطينهم . وقد دللنا فيما مضى من كتابنا على أن شياطين كل شيء مردته قالوا لهم : إِنَّا مَعَكُمْ أي إنا معكم على دينكم ، وظهراؤكم على من خالفكم فيه ، وأولياؤكم دون أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، إنما نحن مستهزئون بالله وبكتابه ورسوله وأصحابه . كالذي : حدثنا محمد بن العلاء : قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال حدثنا بشر بن عمار